الصحفية رشا حلوة : المرض النفسي ليست عيبا .

0
203
الصحفية رشا حلوة : المرض النفسي ليس عيبا .

في مقالها* لـ D W عربية تسلط الكاتبة الصحفية رشا حلوة الضوء على نظر البعض السلبية لحق الإنسان في الحصول على مساعدة الأخصائي النفسي. مع ملاحظة أن المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس رأي صفحتنا .

أذكر جيدًا اللحظة التي قمت بها من السرير صباح يومٍ ما، حين اتصلت بصديقتي أسألها عن رقم هاتف أخصائيّة نفسيّة. كان ذلك قبل حوالي عاميْن، حين شعرت، على المستوى النفسيّ، بأني لست بخير، وأن كل محاولات عائلتي وصديقاتي وأصدقائي، كما ومحاولاتي، “لتعديل” مزاجي، باءت بالفشل. لم أعرف عندها ما هي الأسباب لذلك، وما هي الحالة التي أمرّ بها، لكني عرفت بأني أحتاج لاستشارة أو مساعدة مهنيّة، نابعة من حاجة ملّحة لأن أشعر أفضل، وأن أستيقظ صباحًا ما برغبة الخروج من باب البيت، على الأقل.

 

بداية، لا يأتي هذا المقال لمناقشة أو نقد ماهيّة العلاج النفسيّ أو المساعدة النفسيّة أو حتى بشكل أوسع، ماهيّة علم النفس، نجاعته أو دقته أو فائدته حتّى، فوجوده في العالم واستخدامه كمسار علاج نفسيّ، هو حقيقة، تمامًا كما علاجات آلام الرأس المؤقتة أو المزمنة، سواء وافقنا أم اختلفنا عليها، هنالك من لا يستخدم المسكنات لأنه لا يؤمن بفائدتها، بل يعتقد أنها مضرة. وهنالك من لا يرى بالذهاب لأخصائيّ/ة نفسيّ/ة أمرًا مجديًا، هذا من حقهم تمامًا، لكن من حق الإنسان أيضًا أن يكون لديه هذا الخيار، بلا أحكام مسبقة على كل من يختار أن يتوجه لمساعدة نفسيّة، سواء لمرة واحدة فقط أو على مدار سنوات طويلة.

 

بالعودة إلى قصّتي؛ لم تكن خطوة الاتصال بالأخصائيّة النفسيّة سهلًا، كان عليّ أن أمرّ مسارًا مع نفسي أوّلًا، ومسبقًا لهذه الحالة تحديدًا، ولربما على مدار سنوات، مسارًا مفاده أن لا من مشكلة بأن يحتاج الفرد إلى مساعدة نفسيّة، ولا من المعيب أو والمخجل بأن يطلبها، النفس مثل الجسد؛ تتعب وتمرض وتضعف، وندباتها لا تظهر على الجلد، إنّما لها طرقها المخفيّة بالظهور غالبًا، تؤثر على صحّة الفرد النفسيّة، على حياته اليوميّة، على علاقاته وتعامله مع نفسه والآخرين وغيرها. وبالضرورة، كل هذا يؤثر على المجتمع، المجتمع الذي للأسف، ما زال البعض من أفراده، والبعض ليس عددًا قليلًا، يوصف شخصًا على أنّه “مريضًا نفسيًّا”، باعتبار أنّ هذا الوصف هو شتيمة.

 

في حديث مع صديقة عن نظرة المجتمع إلى الفرد الذي يذهب إلى زيارة طبيب/ة نفسيّ/ة، قالت: “بداية، ينظر المجتمع إلى المرض النفسيّ على أنّه أمرًا معيبًا، نحن نحزن على المصاب بمرض السكريّ أو السرطان أو أي مرض مزمن، ولكن من يعاني من اكتئاب أو انفصام أو أي مرض نفسيّ آخر، يرى المجتمع أن فيه ثمة خطأ، عندما نقول عن شخص بأنه مريضًا نفسيًا، نحن فعليًا نشتمه، وكأن المرض النفسيّ هو خيار المريض”.

 

بالطبع أن التعامل المجتمعيّ مع زيارة الفرد لأخصائيّ/ة النفسيّ، يتغيّر مع مرور الزّمن، وعلى الرّغم من أن الموضوع لا زال يقع تحت خانة التابوهات، إلّا أن هنالك “”قبولًا أكثر”، بشكل ما، للمسألة مقارنة بسنوات سابقة، وذلك في ظلّ عوامل ومسببات عديدة، منها الجهات التي تعمل على رفع الوعيّ إزاء العلاج النفسيّ للفئات العمريّة المتنوعة،
سواء تلك التي تكون باختيار فرديّ، إن سمحت الظروف، خاصّة الماديّة، أو التي تتوفّر للفرد، خاصّة الأطفال أو المراهقين/ات أو النساء، ضمن نظام التربيّة والتعليم أو المؤسسّات، مع الأخذ بعين الاعتبار تفاوت الأمر وفقًا لاختلاف واقع البلاد وظروفها كما ومنهاجها التربويّة، لكن هذا التغيّير، يبقى بسيطًا في واقع مليء بالظروف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والذاتيّة، التي ترهق النَفس، ونادرًا ما تجد هذه النَفس أرضيّة خصبة لتناول تعبها أو مرضها والتخفيف منه مهنيًا وصحيًا، على الأقل.

 

في حديث مع صديقة أخرى عن الموضوع، قالت: “أعتقد، على الأقل في محيطي، أننا تخطينا المرحلة التي مفادها أن من يذهب إلى طبيب نفسيّ، هذا يعني أنّه مجنون. لكن هنالك مشكلة أكبر من هذه، وتدلّ على الجهل العميق في فهم الأمراض والأزمات النفسيّة؛ عندما يكون الفرد مكتئبًا أو حزينًا، يقولون له إن علاجه هو الصلاة، أو السبب الذي يجعله متعبًا نفسيًا، هو أنّه غير متديّن. هنالك فهم مغلوط للمرض النفسيّ على أن علاجه التديّن أو الروحانيّات، ولذلك هنالك حاجة ماسّة للتذكير دومًا بأن انعدام قدرة لمس المرض النفسيّ ماديًا، هذا لا يجعله أقل خطورة أو ألم على الفرد، هو كما أي مرض جسديّ، يحتاج إلى علاج”.

 

ليس بالضرورة أن تكون المسببات لزيارة أخصائيّ/ة نفسيّ/ة هي طارئة، إنّما الحاجة للتعبير أو الحديث عن حزن أو غضب ما، تكفي لذلك، خاصّة في واقع يزداد قسوة في بلادنا على الفرد، وذلك في ظلّ الظروف المتنوعة التي نعيشها كأفراد وكجماعات، وعلى الرّغم من أننا مجتمعات “متهمة” بكونها عاطفيّة، وهي كذلك بشكل نسبيّ طبعًا، إلّا أنها أقل تعاملًا صحيًا مع هذه العواطف، مع إدراكها والبوح عنها، فعلى سبيل المثال؛ الرجل ممنوع من البكاء، لأن البكاء “يقلل من ذكوريته”، وعلى المرأة أن تحمل عبء عواطف ومشاكل كل من يحيطها، لأنها “سوبر وومان”! فبالتالي، نحن لا نعرف بالفعل عدد ضحايا هذا الكبت، أو لربما نعرف بيننا وبين أنفسنا، وأحيانًا نراهم ويروننا، لكننا لا نبوح بهذا أيضًا.

 

من جديد، لست هنا بصدد الدفاع عن أهمية العلاج النفسيّ، أو زيارة اخصائيّ/ة، على مستوى ذاتيّ، أحبّ هذه التجربة التي لا زالت تعلّمني الكثير عن نفسي، وعلى أن صحّتي النفسيّة لا تقل أهميّة عن صحّة قلبي، وصراحة، لا أراهما منفصلتيْن أبدًا. لكني بالتأكيد أكتب هذا المقال كقطعة بازل ضمن مجهود العديد من الناس، الذين يعملون على تغيّير النظرة السلبيّة للمجتمعات إلى مسألة زيارة أخصائيّ/ة نفسيّ/ة، وعلى منح الفرد الذي يرى بأنه يحتاج إلى مساعدة مهنيّة، مساحة حرّة للبوح بهذا بلا خوف من “أحكام الناس”، لأن تجاهل آلام النفس، حتّى الصغيرة منها، مخيفٌ أكثر مما يفكر به المجتمع.

اترك رد