مقال للكاتبه الصحفيه رشا حلوة : لماذا لا نتبادل القبلات بالشارع ؟

0
59
مقال للكاتبه الصحفيه رشا حلوة : لماذا لانتبادل القبلات بالشارع ؟

في مقالها ل DW عربية تتساءل الكاتبة الصحفية رشا حلوة، لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يقبل شاب شابة في الشارع بالعالم العربي ولا يحرك ساكنا عندما يُرتكب عنف. وهذا المقال يعبرعن وجهة نظر كاتبته وليس وجهة نظر صفحتنا أو رأيها , وهو على مسئولية كاتبته .

 

في قصيدة “لوّ يوم نسينا” أو “في الشارع”، كتبت أمينة جاهين، وهي ابنة الشّاعر المصريّ صلاح جاهين: “فيه ناس بتلعب كورة في الشارع.. وناس بتمشي تغني.. تاخد صورة في الشارع.. فيه ناس بتشتم بعض..تضرب بعض.. تقتل بعض في الشارع.. فيه ناس تنام ع الأرض في الشارع.. وناس تبيع العرض في الشارع.. أخطاء كتيرة صبحت صحيحة.. لكن صحيح حَ تكون فضيحة لوّ يوم نسينا وبوسنا بعض في الشارع”.

 

هذه القصيدة التي استخدمها المخرج محمّد خان في فيلمه “الحريف” عام 1983، هي أدّق تعبير عن الحال الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربيّ، بمّا يتعلّق بمشاهد الحبّ والعاطفة، المترجمة بالقبل أو الأحضان، والمرفوضة في الفضاء العامّ بحجج عديدة منها خدش الحياء العامّ، والتي يذهب القائمون والقائمات عليها ضحية قوانين مجتمعيّة أو قوانين حكوميّة؛ منها اعتقال لفترة معينة أو طرد من الجامعة، كما حصل قبل فترة في جامعة طنطا في مصر.

 

قبل حوالي شهر، قام شاب في جامعة طنطا بعرض الزواج أو الخطوبة على حبيبته، كان العرض بمثابة مفاجأة خططها لها وسط أصدقائهما وصديقاتهما، حيث أن الحدث نفسه تم توثيقه بصريًا عبر كاميرات بعض الطلاب. المشهد كالتالي: هو، الشاب، وسط الأصدقاء يحملون زينة لعرض الزواج، وتصل هي، الفتاة، ويقوم كلاهما بحضن بعضها البعض في حديقة الحرم الجامعيّ ربما، أيّ بالفضاء العامّ. ومن ثم، تحوّلت المفاجأة السّعيدة إلى أمر إحالة للطالبيْن من قبل الجامعة إلى لجنة التأديب!

 

القصّة الثّانيّة حصلت قبل أيام في تونس، حيث أصدرت المحكمة هناك حكمًا بالسجن على شاب وصديقته بعد “ضبطهما” في سيارة يتبادلان القبل. وحكم القاضي بالسّجن لمدة أربعة أشهر للشاب وثلاثة أشهر للفتاة! أثار الحكم الصادر بحق الشاب والفتاة ضجة كبيرة وسط التونسيّين/ات، أسفرت عنها حملة بادرت إليها ناشطة تونسيّة ودعت إلى تبادل القبل علنًا في الشوارع.

 

في حديث مع صديقة عن هذا الموضوع، قالت: “لدينا ثقافة اجتماعيّة تحثّ على قمع المشاعر وعدم إظهارها. بمعنى، كم من البشر في مجتمعاتنا يعبرون عن مشاعرهم لبعضهم البعض؟ بين الأم وأبنائها؟ بين الأب وأسرته؟ أحرى لو كانت هذه المشاعر بين شخصين يحبان بعضهما البعض! بالإضافة إلى أن السبب في نظر المجتمعات واضح: العلاقات خارج الزواج بين شاب وفتاة هي مرفوضة، وأي تمرد على هذا القانون يُقمع ويُهاجم. لا أحد قادر حتى على تبريره أو الدفاع عنه، لأنه مرفوض جملةً وتفصيلًا. الحبّ غير معترف به خارج مؤسسة الزواج، إلّا في دوائر ضيقة ومحدودة”.

 

إنّ أكثر ما بإمكانه إثارة الأسئلة اليوميّة، بل والغضب أحيانًا، إزاء هذه “القوانين” المجتمعيّة كما قوانين بعض الدول، هي الرفض القاطع بل والعنيف في كثير من الأحيان من قبل بعض فئات المجتمع لأيّ مشهد من مشاهد الحبّ والتعبير عن العاطفة في الفضاء العامّ؛ شاب وفتاة يمسكان يديْ بعضهما البعض، أو يقبلان بعض في الشارع، أو يحضنان بعضهما البعض تعبيرًا عن حبّهما، هذا مقابل القبول، أو لنقل، عدم الاكتراث أو الاعتياد بل الصّمت في كثير من الأحيان أمام كل مشاهد العنف التي نراها ونلمسها ونشعر بها في الشوارع والمدن وكل الفضاءات العامّة، أو حتى في فضاءات الإعلام الاجتماعيّ.

 

شاهدنا الكثير من الصّور والفيديوهات لنساء يُضربنَ في الشوارع، كما مررنا بجانب أطفال رأينا في عيونهم أنهم يعانون من عنف يوميّ، وفيديوهات لاغتصاب جماعيّ للنساء، شجارات بالأيادي وأحيانًا بالأسلحة بين مجموعة من الشباب، بإمكان كل منا أن يتذكر على الأقل حادثة عنف واحدة حصلت في الفضاء العامّ، وعلى مرأى من الناس، لكن بمعظمها تُعامل على أنها أقل فضيحة من “فضيحة” حبيبين يقبلان بعضهما في الشّارع.

 

قبل أيام، كتب صديق عبر صفحته في موقع فيسبوك: “في مجتمعاتنا.. التحرّش مسموح ولا يخدش حياء أصحاب الأخلاق الحميدة، والاغتصاب هو أمر عادي ولا يهدد العادات والتقاليد، لكن كل علاقة بين شخصيْن لا تعيد تشكيل سلطة وتسلّط الذكر في المجتمع، تثير غضب المجتمع الذي نعيش فيه، وتفجّر العنف والدعوات للقتل والنبذ وإلغاء الناس التي ترفض التسلّط الذكوري. العلاقة الوحيدة التي يقبلها المجتمع هي علاقة قمع الرجل للمرأة. تؤكد هذه الأيام على الحضيض الذي نعيشه، ومدى حاجتنا لمساحات تنفّس وأمان خارج الأنظمة والمجتمعات القمعيّة، والتي تمارس عنف مشابه تجاه كل من يحاول أو تحاول خلق حيّز صغير من الحرية والحبّ”.

 

بالطبع، هنالك من تقبّل حبيبها في الشّارع، ومن يحضن حبيبته في مقهى ما، حيث أن الناس يخلقون لأنفسهم دومًا مساحات آمنة، وإنّ كانت داخل فقاعات مجتمعيّة، للتعبير عن الحبّ والعاطفة. لكن تبقى هذه الفكرة مرعبة؛ هذا التراكم التاريخيّ الذي سببته “القوانين” المجتمعيّة في قلوب البشر بأنه ممنوع عليهم التعبير عن حبّهم في العلن، في الفضاءات العامّة، وانعكاسات هذا التراكم على قدرة الأفراد على الحبّ أصلًا، ومن ثم قدرة المجتمعات على تقبل الحبّ والعاطفة كقانون للطبيعة البشريّة، والذي يحارب ويُقمع بالعنف الكلاميّ و/أو الجسديّ أو بالقانون، كيف يمكن أن نقنع أطفال اليوم، على سبيل المثال، بأن الحضن بين عاشقيْن هو طبيعيّ والقتل غير طبيعيّ؟ بالنهاية، تحيّة لجرأة الطالبيْن في جامعة طنطا، وإلى العشّاق في شوارع تونس وكل بلادنا .

اترك رد